فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقيل: الإسكندرية.
وقرأ أبو طالب القارىء: {على حين} بنصب نون حين، ووجهه أنه أجرى المصدر مجرى الفعل، كأنه قال: على حين غفل أهلها، فبناه كما بناه حين أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض، كقوله:
على حين عاتبت المشيب على الصبا

وهذا توجيه شذوذ.
وقرأ نعيم بن ميسرة: يقتلان.
بإدغام التاء في التاء ونقل فتحتها إلى القاف.
قيل: كانا يقتتلان في الدين، إذ أحدهما إسرائيلي مؤمن والآخر قبطي.
وقيل: يقتتلان، في أن كلف القبطي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون على ظهر الإسرائيلي، ويقتتلان صفة لرجلين.
قال ابن عطية: يقتتلان في موضع الحال. انتهى.
والحال من النكرة أجازه سيبويه من غير شرط.
{هذا من شيعته} أي ممن شايعه على دينه، وهو الإسرائيلي.
قيل: وهو السامري، وهذا من عدوه، أي من القبط.
وقيل: اسمه فاتون، وهذا حكاية حال، وقد كانا حاضرين حالة وجد أن موسى لهما، أو لحكاية الحال، عبر عن غائب ماض باسم الإشارة الذي هو موضوع للحاضر.
وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب.
قال جرير:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ** لو شئت ساقكم إليّ قطينا

وقرأ الجمهور: {فاستغاثة} أي طلب غوثه ونصره على القبطي.
وقرأ سيبويه، وابن مقسم، والزعفراني: بالعين المهملة والنون بدل الثاء، أي طلب منه الإعانة على القبطي.
قال أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة: والاختيار قراءة ابن مقسم، لأن الإعانة أولى في هذا الباب.
قال ابن عطية: ذكرها الأخفش، وهي تصحيف لا قراءة. انتهى.
وليست تصحيفًا، فقد نقلها ابن خالويه عن سيبويه، وابن جبارة عن ابن مقسم والزعفراني.
وروي أنه لما اشتد التناكر بينهما قال القبطي لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك، يعني الحطب، فاشتد غضب موسى، وكان قد أوتي قوة، {فوكزه} فمات.
وقرأ عبد الله فلكزه، باللام، وعنه: فنكزه، بالنون.
قال قتادة: وكزه بعصاه؛ وغيره قال: بجمع كفه، والظاهر أن فاعل {فقضى} ضمير عائد على موسى.
وقيل: يعود على الله، أي فقضى الله عليه بالموت.
ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من وكزه، أي فقضى الوكز عليه، وكان موسى لم يتعمد قتله، ولكن وافقت وكزته الأجل، فندم موسى.
وروي أنه دفنه في الرمل وقال: {هذا من عمل الشطان} وهو ما لحقه من الغضب حتى أدى إلى الوكزة التي قضت على القبطي، وجعله من عمل الشيطان وسماه ظلمًا لنفسه واستغفر منه، لأنه أدى إلى قتل من لم يؤذن له في قتله.
وعن ابن جريج: ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر.
وقال كعب: كان موسى إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، وكان قتله خطأ، فإن الوكزة في الغالب لا تقتل.
وقال النقاش: كان هذا قبل النبوة، وقد انتهج موسى عليه السلام نهج آدم عليه السلام إذ قال: {ظلمنا أنفسنا}. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}.
أي المبلغَ الذي لا يزيدُ عليه نشؤُه وذلك من ثلاثينَ إلى أربعينَ سنة فإنَّ العقلَ يكملُ حينئذٍ. ورُوي أنَّه لم يُبعثْ نبيٌّ إلا على رأسِ الأربعينَ {واستوى} أي اعتدلَ قدُّه أو عقلُه {اتَيْنَاهُ حُكْمًا} أي نبوَّةً {وَعِلْمًا} بالدِّينِ أو علمَ الحُكماءِ والعُلماءِ وسمتَهم قبل استنبائِه فلا يقولُ ولا يفعلُ ما يُستجهلُ فيهِ وهو أوفقُ لنظْمِ القصَّةِ لأنَّه تعالى استنبأهُ بعد الهجرةِ في المُراجعةِ {وكذلك} ومثلَ ذلكَ الذي فعلنَا بمُوسى وأمِّه {نَجْزِى المحسنين} على إحسانِهم. {وَدَخَلَ المدينة} أي مصرَ من قصرِ فرعونَ وقيل: منفُ أو حابينُ أو عينُ شمسٍ من نواحِيها {على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا} في وقتٍ لا يُعتادُ دخولُها أو لا يتوقعونَه فيه قيل: كان وقتَ القيلولةِ وقيل: بينَ العشاءينِ {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ} أي ممَّن شايعُه على دينِه وهم بنو إسرائيلَ {وهذا مِنْ عَدُوّهِ} أي من مخالفيهِ دينًا وهم القِبطُ. والإشارةُ على الحكايةِ {فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ} أي سألَه أنْ يغيثَه بالإعانة كما ينبىءُ عنه تعديتُه بعَلَى. وقُرىء استعانَه {عَلَى الذي مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ موسى} أي ضرب القبطيَّ بجُمعِ كفِّه. وقُرىء فلكزَه أي فضربَ به صدرَهُ {فقضى عَلَيْهِ} فقتلَه وأصلُه أنهى حياتَه من قولِه تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر} {قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان} لأنَّه لم يكُن مأمورًا بقتلِ الكفَّار أو لأنَّه كان مأمونًا فيما بينهم فلم يكُن له اغتيالُهم. ولا يقدحُ ذلك في عصمتِه لكونِه خطًا وإنما عدَّه من عملِ الشَّيطانِ وسمَّاه ظُلمًا واستغفرَ منه جريًا على سُنَنِ المقرَّبينَ في استعظامِ ما فرطَ منهم ولو كانَ من مُحقِّراتِ الصَّغائرِ {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} ظاهرُ العداوةِ والإضلالِ.
{قَالَ} توسيطُه بين كلاميهِ عليه الصَّلاة والسَّلام لإبانةِ ما بينهما من المخالفةِ من حيثُ إنَّه مناجاةٌ ودعاءٌ بخلافِ الأولِ {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى} أي بقتلِه {فاغفر لِى} ذَنبي {فَغَفَرَ لَهُ} ذلك {إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} أي المبالغُ في مغفرةِ ذنوبِ عبادِه ورحمتِهم. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}.
أي المبلغ الذي لا يزيد عليه نشؤه، وقوله تعالى: {واستوى} أي كمل وتم تأكيد وتفسير لما قبله كذا قيل: واختلف في زمان بلوغ الأشد والاستواء فأخرج ابن أبي الدنيا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال الأشد ثلاث وثلاثون سنة والاستواء أربعون سنة وهي رواية عن ابن عباس أيضًا وروي نحوه عن قتادة وقال الزجاج مرة بلوغ الأشد من نحو سبع عشرة سنة إلى الأربعين وأخرى هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين واختاره بعضهم هنا وعلل بأن ذلك لموافقته لقوله تعالى: {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] لأنه يشعر بأنه منته إلى الأربعين وهي سن الوقوف فينبغي أن يكون مبدؤه مبدأه ولا يخلو عن شيء والحق أن بلوغ الأشد في الأصل هو الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت انتهاء النمو وغايته وهذا مما يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال ولذا وقع له تفاسير في كتب اللغة والتفسير، ولعل الأولى على ما قيل: أن يقال إن بلوغ الأشد عبارة عن بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقواه الجسمانية وينتهي فيه نموه المعتد به والاستواء اعتدال عقله وكماله ولا ينبغي تعيين وقت لذلك في حق موسى عليه السلام إلا بخبر يعول عليه لما سمعت من أن ذاك مما يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال نعم اشتهر أن ذلك في الأغلب يكون في سن أربعين وعليه قول الشاعر:
إذا المرأ وافى الأربعين ولم يكن ** له دون ما يهوى حياء ولا ستر

فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى ** وإن جر أسباب الحياة له العمر

وفي قوله تعالى: {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] ما يستأنس به لذلك.
وقد مر طرف من الكلام في الأشد في سورة يوسف فتذكر ولا تغفل.
ثم إن حاصل المعنى على ما قيل أخيرًا: ولما قوي جسمه، واعتدل عقله {اتَيْنَاهُ حُكْمًا} أي نبوة على ما روي عن السدي أو علمًا هو من خواص النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه {وَعِلْمًا} بالدين والشريعة.
وفي الكشاف العلم التوراة والحكم السنة وحكمة الأنبياء عليهم السلام سنتهم.
قال الله تعالى: {واذكرن مَا يتلى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة} [الأحزاب: 34] وقيل آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث، فكاه عليه السلام لا يفعل فعلًا يستجهل فيه اه، ورجح ما قيل بأنه أوفق لنظم القصة مما تقدم، لأن استنباءه عليه السلام بعد وكز القبطي، والهجرة إلى مدين، ورجوعه منها، وإيتاؤه التوراة كان بعد إغراق فرعون، فهو بعد الوكز بكثير وبأن قوله تعالى: {وكذلك} أي مثل ذلك الذي فعلناه بموسى وأمه عليهما السلام {نَجْزِى المحسنين} على إحسانهم يأبى حمل ما تقدم على النبوة لأنها لا تكون جزاء على العمل، ومن ذهب إلى الأول جعل هذا بيانًا إجماليًا لإنجاز الوعد بجعله من المرسلين بعد رده لأمه، وما بعد تفصيل له، والعطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وكون ما فعل بموسى وأمه عليهما السلام جزاء على العمل باعتبار التغليب.
وقد يقال: إن أصل النبوة وإن لم تكن جزاء على العمل إلا أن بعض مراتبها، وهو ما فيه مزيد قرب من الله تعالى يكون باعتبار مزيد القرب جزاءً عليه ويرجع ذلك إلى أن مزيد القرب هو الجزاء وتفاوت الأنبياء عليهم السلام في القرب منه تعالى مما لا ينبغي أن يشك فيه، ورجح ما تقدم بكونه أوفق بقوله تعالى: {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} [القصص: 13] واستلزامه حصول النبوة لكل محسن ليس بشيء أصلًا، ومن ذهب إلى أن هذا الإيتاء كان قبل الهجرة قال: يجوز أن يكون المعنى آتيناه رياسة بين قومه بني إسرائيل بأن جعلناه ممتازًا فيما بينهم، يرجعون إليه في مهامهم، ويمتثلونه إذا أمرهم بشيء أو نهاهم عنه، وعلمًا ينتفع به وينفع به غيره، وذلك إما بمحض الإلهام، أو بتوفيقه لاستنباط دقائق وأسرار مما نقل إليه من كلمات آبائه الأنبياء عليهم السلام من بني إسرائيل ولا بدع في أن يكون عليه السلام عالمًا بما كان عليه آباؤه الأنبياء منهم وبما كانوا يتدينون به من الشرائع بواسطة الإلهام أو بسماع ما يفيده العلم من الأخبار، ولعل هذا أولى مما نقله في الكشاف.
وفي الكلام على أواخر سورة البقرة ما تنفعك مراجعته فيراجع.
{وَدَخَلَ المدينة} قال ابن عباس على ما في البحر: هي منف {على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا} أي في وقت لا يعتاد دخولها، أو لا يتوقعونه فيه، وكان على ما روي عن الحبر وقت القائلة وفي رواية أخرى عنه بين العشاء والعتمة، وذلك أن فرعون ركب يومًا وسار إلى تلك المدينة فعلم موسى عليه السلام بركوبه فلحق ودخل المدينة في ذلك الوقت.
قال ابن إسحاق: هي مصر، كان موسى عليه السلام قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون، فاختفى وغاب، فدخلها متنكرًا.
قال ابن زيد: كان فرعون قد أخرجه منها فغاب سنين فنسي فجاء ودخلها وأهلها في غفلة بنسيانهم له، وبعد عهدهم به.
وقيل: دخل في يوم عيد وهم مشغولون بلهوهم.
وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل مصر وقت القيلولة أو بين العشاءين.
وقيل: المدينة عين شمس.
وقيل: قرية على فرسخين من مصر يقال لها: حابين.
وقيل: هي الإسكندرية، والأشهر أنها مصر، ولعله هو الأظهر والمتبادر أن على حين متعلق بدخل، وعليه فالظاهر أن على بمعنى في مثلها في قوله تعالى: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان} [البقرة: 102] على قول.
وقال أبو البقاء: هو في موضع الحال من المدينة، ويجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أي مختلسًا اه ولعل الذي دعاه إلى العدول عن المتبادر احتياجه إلى جعل على بمعنى في وخفاء نكتة التعبير بها دونها أو الاكتفاء بالظرف وحده عليه والأمر ظاهر لمن له أدنى تأمل، وقيل: إن الداعي إلى ذلك أن دخول المدينة في حين غفلة من أهلها ليس نصًا في دخولها غافلًا أهلها كما في وجه الحالية من المدينة ولا في دخولها مختلسًا كما في وجه الحالية من الضمير فإن وقت الغفلة كوقت القائلة وما بين العشاءين قد لا يغفل فيه وفيه بحث.